الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
32
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالنبات في طور سيناء ، وذلك كقوله : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [ المائدة : 110 ] ، وهذا أنسب بالوجه الأول في تفسير معنى تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ . ومعنى تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أنها تنبت ملابسة للدهن فالباء للملابسة . وهذه الآية مثال لباء الملابسة ، والملابسة معنى واسع ، فملابسة نبات شجرة الزيتون للدهن والصبغ ملابسة بواسطة ملابسة ثمرتها للدهن والصبغ ، فإن ثمرتها تشتمل على الزيت وهو يكون دهنا وصبغا للآكلين ، فأما كونه دهنا ، فهو أنه يدهن به الناس أجسادهم ويرجّلون به شعورهم ويجعلون فيه عطورا فيرجلون به الشعور ، وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يدّهن بالزيت في رأسه . والدّهن بضم الدال : اسم لما يدهن به ، أي يطلى به شيء ، ويطلق الدهن على الزيت باعتبار أنه يطلى به الجسد للتداوي والشّعر للترجيل . والصّبغ ، بكسر الصّاد : ما يصبغ به أي يغير به اللّون . ثم توسع في إطلاقه على كل مائع يطلى به ظاهر جسم ما ، ومنه قوله تعالى : صِبْغَةَ اللَّهِ [ البقرة : 138 ] . وسمي الزيت صبغا لأنه يصبغ به الخبز . وعطف صِبْغٍ على بِالدُّهْنِ باعتبار المغايرة في ما تدل عليه مادّة اشتقاق الوصف فإن الصبغ ما يصبغ به والدهن ما يدهن به والصبغ أخص ؛ فهو من باب عطف الخاص على العام للاهتمام ، وكانوا يأدمون به الطعام وذلك صبغ للطعام ، أخرج الترمذي في « سننه » عن عمر بن الخطاب وعن أبي أسيد أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « كلوا الزيت وادّهنوا به فإنه من شجرة مباركة » . وقرأ الجمهور تَنْبُتُ بفتح التاء وضم الموحدة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس ويعقوب بضم التاء وكسر الموحدة على لغة من يقول : أنبت بمعنى نبت أو على حذف المفعول ، أي تنبت هي ثمرها ، أي تخرجه . [ 21 ، 22 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 21 إلى 22 ] وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 21 ) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 22 ) هذا العطف مثل عطف جملة وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ [ المؤمنون : 18 ] ففيه كذلك استدلال ومنة . والعبرة : الدليل لأنه يعبر من معرفته إلى معرفة أخرى . والمعنى : إن في الأنعام